عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

438

اللباب في علوم الكتاب

أحدها : أنّه لا خلاق له في الآخرة إلّا أن يتوب . الثاني : لا خلاق له في الآخرة إلّا أن يعفو اللّه عنه . والثالث : لا خلاق له في الآخرة كخلاق من سأل اللّه - تعالى - لآخرته ، وكذلك لا خلاق لمن أخذ مالا بيمين فاجرة ، كخلاق من تورّع عن ذلك ؛ ونظير هذه الآية قوله تعالى : مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [ الشورى : 20 ] . قوله تعالى : فِي الدُّنْيا حَسَنَةً [ البقرة : 201 ] يجوز في الجارّ وجهان . أحدهما : أن يتعلّق ب « آتنا » كالذي قبله . والثاني : أجازه أبو البقاء « 1 » أن يتعلّق بمحذوف على أنه حال من « حسنة » ؛ لأنه كان في الأصل صفة لها ، فلما قدّم عليها ، انتصب حالا . قوله : « وفي الآخرة حسنة » هذه الواو عاطفة شيئين على شيئين متقدّمين ، ف « في الآخرة » عطف على « في الدّنيا » بإعادة العامل ، و « حسنة » عطف على « حسنة » ، والواو تعطف شيئين فأكثر ، على شيئين فأكثر ؛ تقول : « أعلم اللّه زيدا عمرا فاضلا ، وبكرا خالدا صالحا » ، اللهم إلا أن تنوب عن عاملين ، ففيها خلاف وتفصيل يأتي في موضعه - إن شاء اللّه تعالى - ، وليس هذا كما زعم بعضهم : أنه من باب الفصل بين حرف العطف وهو على حرف واحد ، وبين المعطوف بالجار والمجرور ، وجعله دليلا على أبي عليّ الفارسيّ ؛ حيث منع ذلك إلا في ضرورة ؛ لأن هذا من باب عطف شيئين على شيئين ؛ كما ذكرت لك ، لا من باب الفصل ، ومحلّ الخلاف إنما هو نحو : « أكرمت زيدا وعندك عمرا » ، وإنما يردّ على أبي عليّ بقوله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [ النساء : 58 ] وقوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [ الطلاق : 12 ] . فصل [ ذكر المفسرون في الحسنيين وجوها ] ذكر المفسّرون في الحسنيين وجوها : قال عليّ بن أبي طالب : في الدّنيا امرأة صالحة ، وفي الآخرة الجنّة « 2 » ؛ روي عن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ؛ أنه قال : الدّنيا كلّها متاع وخير متاعها المرأة الصّالحة « 3 » .

--> ( 1 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 88 . ( 2 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 177 . ( 3 ) أخرجه مسلم كتاب الرضاع باب 17 رقم ( 64 ) رقم ( 1467 ) والبغوي في « شرح السنة » ( 3 / 9 ) وأبو نعيم في « الحلية » ( 3 / 310 ) .